الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

491

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

ولكن - وكما تشير الآية الكريمة - فإن هذا العمل لا يتناسب وروح الإيمان ، لأن المؤمن الحقيقي هو ذلك الشخص الذي لا يعير اهتماما للاعتبارات في مجال الحق والعدل ، ويتغاضى عن مصلحته ومصلحة أقاربه من أجل تطبيق الحق والعدل . وتفيد هذه الآية أن للأقارب الحق في الإدلاء بالشهادة لصالح - أو ضد - بعضهما البعض ، شرط الحفاظ على مبدأ العدالة ( إلا إذا كانت القرائن تشير إلى وجود انحياز أو تعصب في الموضوع ) . وتشير الآية بعد ذلك عوامل الانحراف عن مبدأ العدالة ، فتبين أن ثروة الأغنياء يجب أن لا تحول دون الإدلاء بالشهادة العادلة ، كما أن العواطف والمشاعر التي تتحرك لدى الإنسان من أجل الفقراء ، يجب أن تكون سببا في الامتناع عن الأدلاء بالشهادة العادلة حتى ولو كانت نتيجتها لغير صالح الفقراء ، لأن الله أعلم من غيره بحال هؤلاء الذين تكون نتيجة الشهادة العادلة ضدهم ، فلا يستطيع صاحب الجاه والسلطان أن يضر بشاهد عادل يتمتع بحماية الله ، ولا الفقير سيبيت جوعانا بسبب تحقيق العدالة ، تقول الآية في هذا المجال : إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما . وللتأكيد أكثر تحكم الآية بتجنب اتباع الهوى ، لكي لا يبقى مانع أمام سير العدالة وتحقيقها إذ تقول الآية : فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا ( 1 ) . ويتضح من هذه الجملة - بجلاء - أن مصدر الظلم والجور كله ، هو اتباع الهوى ، فالمجتمع الذي لا تسوده الأهواء يكون بمأمن من الظلم والجور . ولأهمية موضوع تحقيق العدالة ، يؤكد القرآن هذا الحكم مرة أخرى ، فيبين

--> 1 - يمكن أن تكون عبارة " تعدلوا " اشتقاقا إما من مادة " العدالة " أو من مادة " العدول " فإن كانت من مادة " العدالة " يكون معنى الجملة القرآنية هكذا : فلا تتبعوا الهوى لأن تعدلوا أي لكي تستطيعوا تحقيق العدل ، وأما إذا كانت من مادة " العدول " يكون المعنى هكذا : فلا تتبعوا الهوى في أن تعدلوا أي لا تتبعوا الهوى في سبيل الانحراف عن الحق .